أوراق هوية وزواج ومدافن: الحقوق الأساسية الغائبة لأصحاب الديانات غير المعترف بها في مصر

في نوفمبر 2018 قال عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، في كلمته أثناء إحدى جلسات “منتدى شباب العالم” في شرم الشيخ، ما يمكن اعتباره تصريحات تشير إلى ضرورة كفالة الدولة حريات دينية لكافة أطياف التنوع الديني، الأوسع من الأديان الثلاثة: الإسلام، دين الدولة، والمسيحية واليهودية اللتين تحظى طوائفهما بالاعتراف الرسمي من جانب الدولة. حيث قال: “إن الدولة المصرية لم تكن تفكر من قبل في بناء دور عبادة للمواطنين غير المساجد، ولكن الآن الدولة معنية أن تبني في كل مجتمع جديد (..) كنائس لمواطنيها لأن لهم الحق في العبادة كما يعبد الجميع، ولو عندنا في مصر ديانات أخرى نحن كنا سنبني لهم دور عبادة، لو أن لدينا يهود سنبني لهم دور عبادة، لو أن لدينا ديانات أخرى كذلك”.

 

وأضاف أن ذلك “حق المواطن يعبد كما يشاء، أو بالمناسبة لا يعبد، هذا موضوع لا نتدخل فيه”. وقال أيضًا: “لا تمييز بين دين ودين، الكل سواء، وهذا ليس كلامًا يقال، وإنما ممارسات يجب أن تنفذ، وتتحول إلى سياسات وآليات عمل مستقرة في الدولة لها الاستدامة”. في هذه التصريحات إقرار بضرورة قبول الدولة التنوع الديني وإن كانت “ديانات أخرى” غير المسيحية واليهودية، بل وضرورة كفالة الدولة حقهم في اتخاذ دور عبادة وممارسة الشعائر الدينية، وأيضًا ضرورة احترام الدولة خيار المواطن في عدم الانتماء إلى أي دين.

 

أعقبت هذه التصريحات ردود أفعال من مواطنين منتمين إلى هذه التنوعات الدينية، فكتب حاتم الهادي في موقع التحرير مقالًا بعنوان :”نعم يا سيادة الرئيس هناك ديانات أخرى في مصر”، وقال فيه إنه مواطن مصري بهائي يرحب بهذه التصريحات ولديه أمل في أن تترجم إلى سياسات تكفل الحرية الدينية للجميع، وأشار إلى أن هناك “إشكاليات تعيق حق البهائيين في المواطنة كغيرهم من المصريين، منها ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية، ومنها عدم تخصيص أراضي قبور لدفن موتاهم، وهذه احتياجات أصبحت الآن مُلِّحة (..) قبل أن يأملوا في بناء دور عبادة لهم كما صرحت وكما هو مسموح به للبهائيين في الـ160 دولة التي جاء ممثلوها لمنتدى الشباب العالمي”.

 

كما وقع عدد من المواطنين على “بيان من مصريين ملحدين ولا دينيين ولا أدرييين أو مواطنين يفضلون الاحتفاظ بخصوصية عقائدهم”، يقول البيان إن: “هذه التصريحات ليست منعكسة على أي ممارسات وسياسات تقوم بها الدولة، وننتظر هذه الممارسات والسياسات التي تؤكد على حرية العقيدة وحق كل مواطن في أن يعتقد ما يشاء بدون أن يعاني من تمييز أو تضييق أو حرمان من حق. ونحن كمواطنين وكأفراد ملحدين أو دينيين أو لا أدريين نطلب أبسط حقوقنا وهو ألا تقوم الدولة بالكذب في خانة الديانة في أوراقنا الرسمية، حيث أنها ما زالت تحتوي على أديان آبائنا إن كانت ضمن الديانات الثلاث المتاحة فقط للتسجيل في خانة الديانة (مسلم – مسيحي – يهودي)، والمحاولات لتركها فارغة أو كتابة (-) تم رفضها من قبل مصلحة الأحوال المدنية في وزارة الداخلية”. وردود الأفعال هذه تكشف بالفعل أن “هناك ديانات أخرى” في مصر، والتزام الدولة الذي أشار إليه الرئيس بخصوص حقهم في ممارسة الشعائر واتخاذ دور العبادة أو بخصوص عدم تدخل الدولة في خياراتهم العقائدية يبدو غير متحقق، بل على العكس يبدو متناقضًا مع واقع وتاريخ البناء الدستوري والتشريعي المصري والسياسات الدينية الحاكمة التي ترفض الاعتراف بمكونات للمجال الديني أبعد من الأديان الإبراهيمية الثلاثة، إلى الحد الذي يهدر أبسط الحقوق الأساسية مثل الحق في إثبات المعتقد بشكل صحيح عندما تتطلبه أوراق رسمية، والحق في توثيق الزواج، والحق في الحصول على تخصيص مدافن.

تنص المادة 64 من الدستور المصري على أن الدولة تكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية وبناء دور العبادة لأتباع “الأديان السماوية”، وتوضح سياساتٌ تنفيذية وأحكامٌ قضائية متعددة المقصود بالأديان السماوية بأنها الإسلام والمسيحية واليهودية، دون غيرهم من الأديان والعقائد التي يتم وصف بعضها في سياقات مختلفة بأنها “غير معترف بها” رسميًّا، أي لا توجد شخصية اعتبارية قانونية لهيئة أو كيان يمثل هذه الطائفة أو هذا المعتقد. غير أن هذه الحالة من “عدم الاعتراف” لا تمس فقط حرية ممارسة الشعائر أو بناء دور العبادة ولكنها تمتد لتهدد الحقوق الأساسية لمن يدينون بغير الإسلام والمسيحية واليهودية.