تمثل رد فعل الحكومة المصرية الأول مع اندلاع ثورة 25 يناير 2011، منذ عشرة أعوام، في الحجب. هناك تظاهرات واسعة، الناس في الشارع، وسيناريو الثورة التونسية التي نجحت في الإطاحة بِبِن علي، على وشك أن يتكرر في مصر. فكان الحل الأمثل من وجهة نظر السلطة آنذاك، هو عزل المواطنين عن العالم في الخارج، وفصلهم بعضهم عن بعض في الداخل، عن طريق حجب مواقع التواصل الاجتماعي، وقطع الإنترنت، وقطع تغطية شبكات المحمول.
فرض نظام مبارك أشكالًا مختلفة من الحجب على مدار الأيام الثمانية عشر التي سبقت الإطاحة به، لم تفلح كلها في تفادي مصيره بالسقوط. ورغم رحيل مبارك، بقي الحجب مستمرًّا عبر الأنظمة المتلاحقة، وإن اختلفت مستوياته، والحجج التي يتم التذرع بها.
شهد عام 2020 اندلاع جائحة عالمية مع تفشي فيروس كوفيد-19 (كورونا المستجد) في جميع دول العالم تقريبًا. مثلت تلك الجائحة العالمية اختبارًا جديدًا للدولة المصرية في عدة مستويات، وكان من أهمها تزايد أهمية الشفافية وإتاحة المعلومات، وبالرغم من الخطوات المبذولة في إتاحة معلومات عن أعداد المصابين وضحايا فيروس كوفيد-19، فإن حجب المعلومات الممنهج استمر وازدادت خطورته مع الجائحة.
بعد مرور عشرة أعوام على الثورة، وعام على الجائحة العالمية، امتد الحجب ليصبح هو القاعدة، ما بين حجب إلكتروني للمواقع، وعدم تداول للمعلومات، وهو ما يتضح بجلاء مع إدارة الدولة لأزمة الجائحة، فقد واصلت السلطات المصرية ممثلة في نيابة أمن الدولة العليا، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة العامة للاستعلامات حظر عمل الصحفيين، وكذلك حبس النشطاء السياسيين، ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، والأطباء، والباحثين، وحجب المواقع الإلكترونية بزعم نشرهم معلومات “كاذبة” عن الجائحة بما في ذلك معدلات الإصابة في مصر أو انتقاد سياسات الحكومة ووزارة الصحة فيما يتعلق بمواجهة الجائحة واحتوائها. كما استمرت السلطات في الاستئثار بالبيانات والإحصاءات الرسمية _إن وجدت_ لنفسها، في غياب واضح للشفافية. وبذلك النهج تتحول الجائحة إلى ذريعة أخرى لانتهاك قائمة طويلة من الحقوق والحريات.
إن مجابهة أزمة مثل تلك، تحتاج أكثر ما تحتاج إلى الشفافية والتواصل باعتبارهما صمام أمان أساسي للمجتمع والدولة في ظل الجائحة. ولا شفافية دون تداول حقيقي وحر للمعلومات من مصادرها الرسمية ودعم دور وسائل الإعلام باعتبارها فاعلًا في إستراتيجية مجابهة الأزمة، وليست طرفًا في الأزمة يجب حصاره وقمعه، وهو ما يحتاج إلى ساحة إعلامية مفتوحة وتنافسية، وفضاء إليكتروني حر غير مقيد أو محجوب، وذلك ضمن إجراءات حوكمة أفضل للمشهد الإعلامي والصحفي.
تستند مؤسسة حرية الفكر والتعبير في موقفها إلى ما تنص عليه المادة 68 من الدستور المصري من الحق في توفير وإتاحة المعلومات للمواطنين، وهو أمر بالغ الأهمية للأفراد والمجتمعات لحماية أنفسهم من الفيروس، ورغم موافقة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على مشروع قانون تداول المعلومات منذ عام 2017، فإن البرلمان المصري استمر في تأجيل مناقشة وإصدار هذا القانون، مما يؤثر بشكل واضح على الحق في توفير وإتاحة المعلومات الذي يعتبر من الركائز الأساسية للحفاظ على الصحة العامة أثناء الجائحة.
تعرِض مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقريرها السنوي لعام 2020 ما وصلت إليه أوضاع الحقوق الرقمية، وحريات الإعلام، والإبداع، والحرية الأكاديمية والحقوق الطلابية، ضمن الجائحة، مع إبراز ملامح حجب المعلومات وكيف تتحول الجائحة إلى ذريعة أخرى لانتهاك قائمة طويلة من الحقوق والحريات.
يختتم التقرير بتوجيه مجموعة توصيات إلى صانع القرار المصري، من أجل التوجه نحو ضمان حرية التعبير وكذا حرية تداول المعلومات، وذلك امتدادًا لتأكيد مؤسسة حرية الفكر والتعبير إيمانها بأن الإفصاح عن المعلومات إضافة إلى كونه حقًّا أصيلًا للمواطنين، فإن أهميته تزداد في الوقت الحالي كونه أداة أساسية لمجابهة جائحة كورونا، حيث يسهم في زيادة وعي المواطنين، وحشد قدرات القطاع الصحي والمجتمع المدني، إضافة إلى تنظيم عمل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في ظل تدابير مناسبة.
