رغم وجود مواثيق الشرف الصحفية، والقوانين الناظمة للعمل الإعلامي، لا تزال بعض وسائل الإعلام تتعامل في تغطيتها للجرائم بشكل مخالف لأخلاقيات المهنة، إذ يسيطر هاجس السبق الصحفي على بعض العاملين في المهنة مما يجعلهم يتناسون الهدف الأساسي من النشر، والرسالة السامية للإعلام. رغم أن نشر أخبار الجرائم والمحاكمات من الحقوق المشروعة لممارسات وسائل الإعلام، فإن ترف وسائل الإعلام أحيانًا في تقديم المعلومات يمكن أن يحول دون حصول المتهم على محاكمة عادلة. وقد ظهر مبدأ الحق في محاكمة عادلة نتيجة الممارسات غير المسؤولة من جانب بعض الصحف في نشر أخبار الجرائم والمحاكمات. 1 فإن تطرف وسائل الإعلام أحيانًا في القيام بدورها في إتاحة المعلومات عن الجرائم قد ينطوي على إساءة للمتهم وتعبئة الرأي العام ضده قبل صدور حكم القضاء. 2 لذلك،عالج قانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996، تغطية الجرائم، إذ نصت المادة 23 على أنه “يحظر على الصحيفة تناول ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة بما يؤثر على صالح التحقيق أو المحاكمة أو بما يؤثر على مراكز من يتناولهم التحقيق أو المحاكمة وتلتزم الصحيفة بنشر قرارات النيابة العامة ومنطوق الأحكام التي تصدر في القضايا التي تناولتها الصحيفة بالنشر أثناء التحقيق أو المحاكمة وموجز كاف للأسباب التي تقام عليها وذلك كله إذا صدر القرار بالحفظ أو بأن لا وجه لإقامة الدعوى أو صدرالحكم بالبراءة”. ولعل تغطية وسائل الإعلام المصرية لجريمة القتل التي وقعت في منطقة الرحاب، إحدى الضواحي الراقية في القاهرة، في مطلع مايو الماضي تصلح لأن تكون نموذجًا على تعامل تلك الوسائل مع جرائم القتل، ومدى التزامها بالمهنية وأخلاقيات الإعلام في تغطيتها. فملابسات الجريمة التي وقعت في أوائل مايو 2018، والتي عرفت إعلاميًا باسم “مذبحة الرحاب” التي نجم عنها مقتل جميع أفراد الأسرة المكونة من خمسة أشخاص، وهم رجل أعمال معروف وزوجته، وأبنائهما الثلاثة، في منزلهم في منطقة الرحاب _إحدى المناطق السكنية الراقية الجديدة على أطراف القاهرة_. كانت الواقعة غامضة إلى حد أثار اهتمام وسائل الإعلام وتسابقها لكشف ألغاز هذه الجريمة والفوز بسبق صحفي ورفع نسب المبيعات والمشاهدة. ولم يصدر أي تقرير أو بيان رسمي بخصوص هذه القضية إلا بعد مرور شهر على الواقعة عندما صدر أول بيان للنيابة العامة في أوائل يونيو 2018، وقد طرح هذا التقرير تساؤلات أكثر ولم يساهم في كشف غموض الحادث وملابساته. وفي ظل هذا الغياب من قبل الجانب الرسمي لتقديم المعلومات والإجابة على التساؤلات، تصدرت وسائل الإعلام المشهد، التي قامت بعضها بالخوض في التحليل والتخمين والنشر دون رقيب أو حسيب.
