اتسمت السنوات العشر الأخيرة -تحديدًا- قبل ثورة يناير 2011م بانسداد كامل في مختلف شرايين الحياة في المجتمع المصري؛ اقتصاديًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، وفكريًا، وثقافيًا. وأُغلقت كافة منافذ المجال العام ليصاب المجتمع بتصلُّب في الشرايين وليس مجرد انسداد. إلى جانب قمع واسع النطاق ومشروع لتوريث السلطة واحتكار وهيمنة الحزب الوطني الحاكم -آنذاك- على كافة مفاصل الدولة. مما تسبب إلى جانب عوامل أخرى عديدة بانتفاض ملايين من المصريين مطالبين بالعيش والحرية والعدالة والكرامة.
وانفجرت مع نجاح أولى محطات الثورة -بتخلي الرئيس الأسبق مبارك عن السلطة في 11 فبراير 2011م- طاقات إبداعية لدى آلاف من الشبان والفتيات المصريين التي جرَّفتها عقود من الجهل ورفض الآخر وثقافة الرأي الواحد. حملت تلك اللحظات وما تلاها آمالًا عريضة نحو تحرير المجتمع من مختلف قيوده للانطلاق إلى الأمام، ومن أهم تلك المجالات التي كانت تحتاج بشدة لفك أسرها وتحرير قيودها لتأهيلها للقيام بدورها التاريخي المهم في إثراء حركة تطور المجتمعات؛ هي الحياة الثقافية والإبداعية والفنية.
إلا أن الأمور لم تسِر كما كانت ترتفع أسقف الطموحات، فيومًا بعد الآخر بدا أن الأنظمة المتعاقبة على إدارة شئون البلاد بعد يناير 2011م، ورغم تنوع أيدلوجياتها ومرجعيتها الفكرية، اتفقت على الحفاظ على جوهر وسياسات الدولة القديمة لأسباب عدة ليس هنا مجال لذكرها. هذا الحفاظ مثَّل دور الغاز الخانق لتلك الطاقات الإبداعية التي تفننت الحكومات التنفيذية المتوالية بعد الثورة في كيفية محاصرتها وخنقها.
فمن خلال رصد مؤسسة حرية الفكر والتعبير للنشاط الرقابي على الأعمال الإبداعية في مصر خلال السنوات التسع السابقة، من 2007م وحتى 2015م، نجد أن دور الأجهزة الأمنية في الوصاية على الحركة الثقافية المصرية ما زال قائمًا، مدعومًا بإرادة سياسية تخدم سياسات ومنهج الدولة القديمة. حيث مارست الأجهزة الأمنية، بالمخالفة للدستور والقانون وكافة المواثيق الدولية الملزمة بحماية الحق في حرية الإبداع والتعبير الفني، كافة أشكال الانتهاكات بحق النشاط الإبداعي والثقافي والفني بالمجتمع المصري. حتى أصبحنا اليوم في صورة تُشبه كثيرًا ما كان عليه الحال قبل 2011م.
