شهد المجتمع المصري خلال الفترة الماضية حالة من الجدل والحوار المجتمعي بشأن حوادث الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها النساء والفتيات من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية.
وقد جاء ذلك متزامنًا مع بدء الكثير من الضحايا والناجين من تلك الاعتداءات الحديث عما تعرضوا له من انتهاكات واعتداءات جنسية. وشكلت الحسابات الإلكترونية والمدونات التي أُنشئت مؤخرًا بهدف نشر هذه الوقائع ملاذًا آمنًا لكثير من الضحايا والناجين من الاعتداءات الجنسية لمشاركة شهاداتهم بشأن ما تعرضوا له من انتهاكات، حيث يتم النشر عبر هذه الحسابات دون الإفصاح عن هوية الضحايا أو الناجين.
كما استطاعت هذه الحسابات الإلكترونية والمدونات أن تجتذب الكثير من المساندين لهؤلاء الضحايا أو الناجين والمدافعين عنهم، والمطالبين بتوقيع أقصى درجات العقوبة على الجناة أنفسهم. وتُمثل وقائع الاعتداء الجنسي التي اتُهم طالب الجامعة الأمريكية بالقاهرة” أحمد بسام زكي” -والتي تسربت تفاصيلها عبر حساب مجهول على موقع انستجرام يُدعى شرطة الاعتداء (Assault Police) – بمثابة الفعل المفجر لحركة الغضب التي تشهدها حاليًا مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بدأ هذا الحساب الإلكتروني المجهول جمع شهادات ولقطات من المحادثات التي جرت بين هذا الشاب وبين بعض الضحايا أو الناجين ممن تعرضوا للتحرش والابتزاز والاعتداء الجنسي على يديه.
وقد شجع هذا الحساب الإلكتروني الكثير من الضحايا أو الناجين ممن تعرضوا لاعتداءات جنسية مماثلة على مشاركة رواياتهم وشهاداتهم أيضًا. لقد ساهم هذا الحراك الإلكتروني في وجود مطالبات من المجلس القومي للمرأة والنيابة العامة المصرية للضحايا أو الناجين من الاعتداءات الجنسية بضرورة التقدم ببلاغات رسمية للنيابة العامة. وفي خطوة هامة لحماية هؤلاء الضحايا أو الناجين، ولتشجعهم على الإبلاغ عما يتعرضوا له من اعتداءات دون الإفصاح عن هويتهم، اقترحت الحكومة المصرية مشروعًا لقانون يضمن سرية أقوال المجني عليهم والشهود في تلك القضايا، وصدَّق البرلمان المصري على هذا القانون في يوليو ٢٠٢٠.
وخلال هذه الفترة بدأ نفس الحساب الإلكتروني السابق في تلقي معلومات حول المغتصبين المزعومين في القضية التي عرفت إعلاميًا “بقضية فندق الفيرمونت”، والتي تعود وقائعها لعام ٢٠١٤، حيث قام مجموعة من الشباب بتناوب الاغتصاب الجماعي على إحدى الفتيات بفندق الفيرمونت بالقاهرة. وبالنظر للكثير من حوادث الاعتداء الجنسي التي انتشرت على الحسابات الإلكترونية خلال الفترة القليلة الماضية يتضح أن غالبيتها وقعت منذ عدة سنوات، لكنه لم يتم الإفصاح أو الحديث عنها وقت حدوثها.
ولعل ذلك يرجع في جانب كبير منه للثقافة المجتمعية التي دائمًا ما تجرم الضحايا، وتلقي باللوم عليهم، كما أنه يعود أيضًا لخوف الكثير من الضحايا أو الناجين من تلك الاعتداءات من التقدم ببلاغات رسمية ضد الجناة خشية التعرض للمساءلة القانونية أو الإفصاح عن هويتهم؛ لذلك شكلت الحسابات الإلكترونية وسيلة لتعبير هؤلاء الضحايا أو الناجين عن مشاعرهم وأحاسيسهم تجاه ما تعرضوا له من انتهاكات. وفي ضوء ما سبق، سعى مركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي بالتعاون مع مشروع الحب ثقافة لجمع وتوثيق وتحليل غالبية شهادات الضحايا أو الناجين التي انتشرت عبر الحسابات والمنصات الإلكترونية خلال الفترة الماضية.
