دراسة مرايات لرصد وتحليل الدراما الرمضانية من منظور النوع الاجتماعي

يعود تاريخ الدراما التليفزيونية إلـى بدايـة السبعينيات، عنـدما عرضت منتجاتها الأولى بعد عشر سنوات مـن افتتـاح البـث لجهـاز الإذاعـة والتليفزيون المصري فـي العـام ١٩٦٠. فــي ذلــك الوقــت، كــان الجهــاز الإعلامي الرســمي هــو جهــة الإنتــاج الرئيســية للدراما المصرية المتلفزة، وتحولت المسلسـلات المصرية تدريجيا إلــى منــتج فنــي علــى صلـة شديدة بالحياة اليومية للمصريين. استفادت الـدراما المصرية مــن الشعبية الواســعة لنجــوم السـينما خلال الخمسينيات والســتينيات، إذ قــام العديــد مــنهم بــأدوار البطولــة فــي مجموعــة مــن المسلسلات، ممــا ساهم في ترسيخ طقوس المشاهدة والارتباط بالدراما التليفزيونية كعادة يومية.

 

ومـــع مـــرور صـناعة الســـينما المصرية بفتـــرة طويلـــة مـــن الركـــود خلال الســـبعينيات والثمانينيـــات، ازداد رواج الــــدراما التليفزيونيـــة وأصــــبحت قبلـــة الأجيال مـــن الممثلــــين ّ والممثلات وصــناع الـدراما الصاعدين، الــذين أســهموا فـي تحويــل المسلسلات المصرية إلــى منــتج فنــي ذي تقاليد خاصــة وصــناعة متكاملــة تعتمد علــى كــوادر فنيــة وإنتاجية متخصصة، وهو ما أسهم في أن تكون المسلسلات المصرية واحدة مـن المنتجـات الفنيـة واسعة التأثير، ً والأكثر استهلاكا في المنطقة العربية كلها خلال الثمانينيات والتسعينيات وحتى بداية الألفية الجديدة. ّ

 

مــن هــذا المنطلــق، نســتطيع أن تبــين الأهميــة التــي أولاهــا مشروع «مرايــات» لتحليــل الخطاب والرؤية التي تحملها الدراما التليفزيونية بشأن قضـايا النـوع الاجتماعي وظـواهر العنــف القــائم عليــه، ســواء العنــف الواقــع علــى الإنــاث أو الــذكور أو الفئـات الاجتماعية المختلفـة بحكــم موقعهـا الجنــدري. إذ أن المسلســلات المصرية مــع تجـذر وجودهــا كمنــتج ّ فني مرت بعدة تطورات وتغيرات صنعت منها وثائق اجتماعيـة لا يمكن عـزل مـا تقدمـه عـن حيــاة ورؤى جمهورهــا مــن المتــابعين، لا سـيما بعــد ارتبــاط المواســم الانتاجيــة للــدراما التليفزيونية بشـهر رمضـان. توجـه الانتـاج المصري والعربـي للاسـتثمار بكثافـة فـي الانتـاج ً التليفزيــوني، تحديدا منــذ بدايــة الألفيــة الجديــدة وظهــور القنــوات الفضــائية المصرية والعربيــة، واتســع ســوق إنتــاج وتوزيــع المسلسلات التليفزيونية بصــورة فاقــت الانتــاج السينمائي، وصار الالتحاق بصناعة المسلسلات كمنـتج فنـي علـى رأس أهـداف العـاملين ً بالصناعات الفنية بجميع تخصصاتهم، بدءا من المؤدين والكتـاب والمخـرجين وصـولا إلـى التقنيين وصناع الموسيقى الدرامية. كان التليفزيون هو أكثر أشـكال الميـديا شـعبية: بحلـول منتصـف التسـعينيات، كانـت كـل البيـــوت المصرية تقريبـــا تمتلـــك جهـــاز تليفزيـــون وهـــو مـــا قـــادني أيضـــا للتركيـــز علـــى المسلسلات الدراميــة التــي تعــرض علــى القنــاتين الرئيســيتين المملــوكتين للدولــة. إذ أنــه بـالرغم مــن تكــاثر القنــوات الأرضية بنهايــة التســعينيات (ظهــور القنــوات الخمــس المحليــة المملوكــة للدولــة أيضــا وإطلاق القمــر الصــناعي والقنــوات الفضــائية، ظلــت الأغلبيــة الواسعة من ٦٩ مليـون مصري، يعيشـون حيـوات مختلفـة تمامـا؛ مـن رواد الأعمـال الكبـار ومستأجري الأراضي الزراعية والبدو والأرستقراطية المدنية، إسلاميون ويسـاريون، أمهـات جميعــا كــانوا يميلــون بشــكل أو بــآخر لمتابعــة نفــس المسلسلات التليفزيونية كل ليلة.” ً تحول طقس المتابعة للمسلسلات الدرامية خلال شهر رمضـان تدريجيا إلـى مائـدة كبيـرة، ّتجتمع حولها شرائح اجتماعية متنوعة عابرة للحدود الطبقيـة والجندريـة والثقافيـة، تسـعى جميعها للتفاعل مع الرؤى والتمثيلات التي تطرحها تلك الأعمـال الدراميـة بشـأن المجتمـع المصري سنويا خلال شهر رمضان.

 

ومــع ارتفــاع نســب المشــاهدة، وارتفــاع الامكانيات الإنتاجيــة التــي جذبت صــناع الســينما ً ونجومهــا مجــددا فــي الســنوات العشر الأخيرة للانخراط فــي صــناعة الــدراما التليفزيونيــة بــالتوازي أيضــا مــع ركــود كبيــر تواجهــه صــناعة الســينما، بــدأت المسلسلات المصرية بعد العام 2011 تحديدا فــي تقــديم موضــوعات أكثــر تنوعــا، منهــا مــا يمــس العلاقــات الاجتماعية وأزماتها، ومنها ما يشير إلى المتغيرات السياسـية والثقافيـة التـي طـرأت علـى المجتمــع المصري. لــذلك بــدأت المسلســلات الرمضــانية- بالتمــاس مــع الانتشــار الواســع لوسائل التواصل الاجتماعي- تتحول إلى مادة يتجادل من خلالها المجتمـع المصري بشـأن نظرته لهذه العلاقات الاجتماعية والخطابات الثقافية. من هنا جاءت أهمية تناول الخطابات التي تطرحها المسلسلات المصرية بالتحليل الكمـي والكيفي، للوقوف على حقيقة التفاعـل الجمـاهيري مـن ناحيـة، وقيـاس مـدى التـأثير الـذي تحدثه أو يمكن أن تحدثه تلك الأعمال والرؤى التي تحملها فـي أزمـات مسـتفحلة وقديمـة، بخصوص ظواهر العنف القائم على النوع الاجتماعي بجميع أشكالها. ً