يمثل تحديد حدين، أدنى وأقصى للأجور واحدا من مكونات تحقيق العدالة الاجتماعية، إذ يرتبط بالحد من التفاوت بين الفئات المشتغلة بأجر، وبضمان هيكل عادل للأجور. كما أن تطبيق حد أدنى للأجر يعين الملتحقين حديثا بسوق العمل، على الحصول على سعر مقبول نظير جهدهم، ويوفر ضمانة ضد صور التمييز غير المعلن بين المشتغلين، استنادا إلى النوع أو اللون أو الدين، ويحد من دوافع الإدارة إلى الفصل التعسفي للأقل مهارة في سلم التوظيف، بهدف تشغيل عاملين جدد في المستوى المهاري نفسه، ولكن بأجر أقل.
وتؤكد المبادرة على أن تحديد الحدين الأدنى والأقصى للأجر على الرغم من أهميته البالغة إلا أن تطبيقه لا يمكن أن ينجح دون وجود منظومة متكاملة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وبخاصة في بلد نام كمصر، يتركز فيه الفقراء من العاملين في الأساس خارج منظومة الأجور الرسمية، ومن شأن تطبيقه دون هذه المنظومة المتكاملة للعدالة، تحميل أعباء تضخمية على هؤلاء الفقراء الواقعين خارج منظومة الأجور. ولا سبيل كذلك إلى تفعيل تطبيق الحد الأدنى للأجور دون شبكة متكاملة للضمان الاجتماعي، ووجود عدالة ضريبية حقيقية تسمح بتدفق عوائد النمو إلى الفقراء، سواء في صورة معاشات أو خدمات عامة جيدة، ومن الصعب تفعيل تأثيره كذلك دون دراسة حقيقية وفعالة لطبيعة دور عنصر العمل في الاقتصاد وحقوقه في عوائد الإنتاج. وبشكل عام فإن الحد الأدنى للأجور، هو أهم أدوات ضبط العلاقة بين العمل ورأس المال، فهو يقاوم طغيان اعتبارات المنافسة السوقية على حق العامل في الحصول على أجر عادل، ويحد من تشوه توزيع عوائد الإنتاج، ونجد بعض الدول، منها البرازيل تعتمده كمحدد لقيمة معاشات الضمان الاجتماعي الدائمة وكافة مكونات وبرامج المساندة المجتمعية المؤقتة. وقد أثبتت التجربة الدولية وجود علاقة طردية بين استقرار العدالة الاجتماعية ووجود حد أدنى مناسب للأجر، فدولة مثل فرنسا، وهي صاحبة واحد من أعلى الحدود الدنيا للأجور في أوروبا، لم تعان تغيرات حادة نحو عدم العدالة خلال العقود الثلاثة الأخيرة كما حدث في دول أوروبية ذات مستوى مقارب من الناتج المحلي.
أما عن الحالة المصرية، ففي عام 2010، وعقب صدور حكم محكمة القضاء الإداري الذي ألزم الحكومة بتحديد حد أدنى مناسب للأجور، وما تبعه من قرارات، تصاعدت وتيرة المطالبة بوجود حد أدنى أتي طرح مبلغ 1200 جنيه من قبل الحكومة المصرية للتطبيق على العاملين بالجهاز الإداري للدولة مع نهاية 2013 مبتعدا بدرجة كبيرة عن حدود خط الفقر القومي، فوفقا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإنه بناء على نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام2012/ 2013 يلزم للأسرة المكونة من خمسة أفرد نحو 1620 جنيه في الشهر لتلبية احتياجاتها الأساسية، وهي القيمة التي ارتفعت سريعا من 1270 جنيه شهريا للأسرة في عام 2011/2010. (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مؤشرات الفقر وفق بحث الدخل والاتفاق والاستهلاك، 2013/2012). وجدير بالذكر أن نسبة الفقراء إلى إجمالي المشتغلين – أي من يعملون من الفقراء وليس العاطلون عن العمل في القطاع العام قد زادت من 11% في عام 2008/ 2009 إلى 13% في عام 2013/2012، بينما زادت نسبة الفقراء بين المشتغلين في القطاع الخاص من 16% إلى 21% في الفترة ذاتها. في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة الفقراء بين المشتغلين خارج المنشآت- وهي أعلى نسبة للفقراء بين المشتغلين من 30% إلى 36%، ما يعكس عدم كفاية التطبيق في القطاع الحكومي للحد من الفقر بأية حال. (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مؤشرات الفقر وفق بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، 2012 2013)
