“التقرير ربع السنوي لحالة حرية التعبير في مصر الربع الأول ( يناير – مارس 2017 ) “

تتزايد المخاوف بشأن الحق في حرية التعبير في مصر، أولا باعتبار أن حرية التعبير بمثابة خطوة لا بد منها لتفعيل المشاركة في الشأن العام والعمل السياسي والدفاع عن حقوق ومصالح فئات مختلفة من المواطنين، وثانيا ﻷن القمع المتزايد للمجموعات السياسية ضيق من مساحات العمل العام حتى بات التعبير عن الرأي فقط أقصى ما يمكن استخدامه للتأثير في الشأن العام. وترفض السلطة الحالية من جانبها الاكتفاء بانسداد الأفق السياسي، الذي أوصلت إليه المجتمع، وتسعى بكل قوة لغلق أي مساحة ولو كانت محدودة تتيح للمواطنين التعبير عن الرأي. وتعكس هذه التوجهات إيمان السلطة الحالية بخطر التعبير عن الرأي كسلوك في حد ذاته، بغض النظر عن تمكنها المستمر من إدارة البلاد بطريقة سلطوية.

واستمرت مؤسسات الدولة في تبني السياسات المقيدة لحرية التعبير بأشكالها المختلفة خلال الربع اﻷول من العام 2017. وباﻹضافة إلى البنية القانونية المعادية لحرية التعبير، والتعديلات التي أدخلت خلال السنوات الثلاثة الماضية لفرض مزيد من القيود عليها، هناك حالة من الخوف قد ترسخت بسبب ممارسات السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية، إذ أن الطلاب على سبيل المثال تتراجع أنشطتهم بشكل كبير، ويزداد قلق مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من الملاحقات الأمنية.

ولا تزال أنماط الانتهاك المرتبطة بسلطات الجهات التنفيذية وتدخلات الأجهزة اﻷمنية مستمرة، إذ يواجه المبدعون مشكلات جمة مع جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، ويواجه أساتذة الجامعات شروط تتعلق بالحصول على موافقة الأجهزة الأمنية قبل السفر، وكذلك الشكوك الكبيرة حول تورط الأجهزة اﻷمنية في تسريب مكالمات هاتفية لشخصيات عامة وسياسيين. بينما تنصلت مؤسسات الدولة، خلال الربع الأول من عام 2017، من مسئوليتها تجاه إتاحة المعلومات عن عشرات الأسر من مسيحيي شمال سيناء الذين تعرضوا للنزوح الداخلي بسبب تهديدات إرهابية. وباستثناء المعلومات التي أمدت بها الكنائس وسائل الإعلام، واللقاءات الصحفية مع الضحايا، كان هناك صعوبة بالغة في معرفة خطط الجهات المعنية في الدولة لمعالجة هذه الأزمة، وكيف يمكن تأمين عودة هؤلاء المواطنين إلى مدينتهم مرة أخرى.

كما تزايدت حدة هجوم مجلس النواب على حرية التعبير، خلال الربع الأول من عام 2017، إذ تقدم المجلس ببلاغ ضد الكاتب ابراهيم عيسي، إضافة إلى التنديد بتغطية الصحافة والإعلام لعمل البرلمان، أثناء جلسات مجلس النواب. وامتد ذلك إلى الجامعات، حيث صدرت توصية من بعض لجان البرلمان بعزل رئيس جامعة المنصورة محمد القناوي، فيما يرجح أنه ناتج عن خلاف بين رئيس الجامعة وإحدى عضوات مجلس النواب.

وبرزت العراقبل التي تضعها المنظومة القضائية أمام حرية التعبير، فخلال الربع الأول من العام 2017، سجلت تحقيقات جديدة مع مواطنين، على خلفية تعبيرهم عن الرأي. بينما استمرت المحاكم في نظر قضايا المبدعين والصحفيين والطلاب ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ومنهم من بقي قيد الحبس الاحتياطي، وتدفع هذه المداولات القضائية مواطنين آخرين إلى فرض رقابة ذاتية على أنفسهم، تجنبا للتعرض للتنكيل والمحاكمة.

ويمكن القول إجمالا أن المخاوف المتعلقة بمستقبل حرية التعبير في مصر شديدة الارتباط بالواقع الذي يظهر لنا ممارسات مؤسسات الدولة، إضافة إلى دور سلبي للغاية يقوم به البرلمان، وتراجع مستمر في تحقيق العدالة أمام المحاكم. وهذا ما رصده التقرير عبر أقسامه المختلفة، بشكل أكثر تفصيلا وتنوعا.