لا شك أن العام 2006 سوف يسجل فى تاريخ الطبقة العاملة المصرية بحروف من نور، وذلك لما شهده من تحركات عمالية وصفت بالأضخم والأكبر منذ سنوات طويلة .. فقد شهدت معظم الشركات والمصانع الكبرى فى مصر إضرابات واعتصامات لعمال فاض بهم الكيل وتلخصت مطالبهم فى بعض المطالب الاقتصادية التى تتعلق بالأحوال المادية من أجور وأرباح وحوافز وغيرها، إضافة إلى مطلب سحب الثقة من اللجان النقابية داخل تلك الشركات .. فلا يستطيع احد أن يتغاضى عن دلالة توقيت تلك التحركات العمالية التى شهدتها مصر فى العام 2006 ،فقد جاءت عقب الانتخابات النقابية، لتكشف القناع عن أعضاء اللجان النقابية المفترض أنهم يمثلون العمال فأثبتت التحركات العمالية أن هذه الانتخابات لم تكن نزيهة .. حيث أكد الجميع على أن هذه الانتخابات هى الأسوأ فى التاريخ العمالى والنقابى المصرى .. فلم تمر عدة أسابيع من فض مولد الانتخابات النقابية حتى انفجر عمال غزل المحلة البالغ عددهم أكثر من 23 ألف عامل وعاملة، معلنين الإضراب العام مطالبين بحقهم فى الشهرين أرباح طبقا لما جاء فى قرار رئيس الوزراء رقم 467 الذى نشر فى جريدة الوقائع المصرية بتاريخ 22 مارس 2006، استطاع عمال المحلة انتزاع حقوقهم بعد ثلاثة أيام من الإضراب الذى هز أرجاء مصر المحروسة، ورضخت الحكومة لمطالب عمال غزل المحلة فى النهاية وعُممت المكاسب العمالية على جميع شركات الغزل والنسيج الأمر الذى أدى إلى إشعال فتيل الإضرابات والاعتصامات فى العشرات من شركات قطاع الأعمال العام الأخرى .. ولأن عمال غزل المحلة فى احتجاجهم قد رفعوا شعار سحب الثقة من اللجنة النقابية إضافة إلى مطالبهم الاقتصادية، استطاع العمال بالفعل جمع أكثر من 15 ألف توقيع من أعضاء الجمعية العمومية المقدر ب 23943 عضوا، وهو إجراء قانونى نص عليه القانون 35 المسمى بقانون النقابات العمالية على الأخص المادة 26 الفقرة (ب) .. وتوجه وفد من عمال الشركة لتسليم تلك التوقيعات للنقابة العامة للغزل والنسيج التابعين لها، مطالبين بإجراء انتخابات نقابية جديدة، إلا أن النقابة العامة التابعة لاتحاد العمال الحكومى تسلمت تلك التوقيعات ورفضت قرار عمال الشركة بسحب الثقة من لجنتهم النقابية !! وبحول نهاية عام 2007 اضرب حوالى 55 ألف من موظفى الضرائب العقارية، ونظموا اعتصاما حاشدا أما مقر مجلس الوزراء المصرى مطالبين بمساواتهم بزملائهم الذين يعملون فى مصلحة الضرائب العامة .. ومن رحم ذلك الاعتصام الذى استمر 12 يوماً قبل الاستجابة لمطالبهم، خرجت فكرة إنشاء أول نقابة مستقلة فى مصر لموظفى الضرائب العقارية .. معلنين انفصالهم عن النقابة العامة للعاملين بالمالية والضرائب والجمارك التابعة لاتحاد نقابات عمال مصر والتى وقفت بقوة فى مواجهة إضرابهم .. وسرعان ما امتدت موجة الإضرابات العمالية وانتقلت من القطاع العام إلى القطاع الخاص، ومن المناطق الصناعية القديمة إلى المدن الصناعية الجديدة، وانتقلت إلى قطاعات لم يكن الإضراب جزء من ثقافتها مثل المعلمين والأطباء والموظفين .. حيث خرجت من رحم احتجاجات المعلمين ثانى نقابة مستقلة فى مصر، ومن رحم احتجاجات العاملين فى القطاع الصحى النقابة المستقلة للفنيين الصحيين .. وفى ظل هذه الأجواء حيث التحركات العمالية تأتى دائماً من خارج التنظيم النقابى الحكومى، بل وكثيراً ما تكون فى مواجهته.. انطلقت حملة دار الخدمات النقابية والعمالية للمطالبة بإلغاء القيود القانونية على الحق فى تكوين النقابات العمالية، والإعلان عن الانتهاء من صياغة قانون جديد للنقابات العمالية أطلق عليه “قانون الحريات النقابية ” والذى اشتمل القانون على العديد من المبادئ الأساسية التى تتماشى وحق العمال فى تكوين نقاباتهم مثل ضمان إطلاق حرية العمال فى تكوين نقاباتهم المستقلة بالشكل الذى يريدونه ويمنع تدخل الجهة الإدارية فى شئونها، أن تأتى مجالس إدارات المنظمات النقابية عبر انتخابات حرة ونزيهة، إنشاء المنظمة النقابية والاعتراف بها دون إذن مسبق وبمجرد إيداع أوراق التأسيس، ضرورة التأكيد على الشخصية الاعتبارية للمنظمة القاعدية ( اللجان النقابية ) ومنحها كافة الصلاحيات كى تستطيع القيام بدورها فى التفاوض والتقاضى والتحكيم وخلافه، يكفل القانون حق الانضمام أو الانسحاب الإختيارى للعمال متى شاءوا ذلك، يكفل القانون حماية خاصة للقيادات النقابية، يكفل حرية الأفراد فى مواجهة نقاباتهم، عدم جواز فرض الوحدة النقابية بقانون، حل النقابة لا يجوز أن يكون بقرار إدارى ولكن بحكم قضائى أو قرار إرادى من العمال أنفسهم، والرقابة على أموال النقابات تكون رقابة ذاتية وليست حكومية .
